صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

233

تفسير القرآن الكريم

الدنيا ، إذ الشهادة عبارة عن قبض الروح في حالة لم يبق في القلب سوى حب اللّه ، وخرج حب جميع الملاذ والشهوات عن القلب ، لأن من يهجم على صف القتال فهو يوطن نفسه على الموت حبا للّه ، وطلبا لرضاه ، وبائعا دنياه بآخرته ، راضيا بالبيع الذي بايعه اللّه ، إذ قال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ 9 / 111 ] والبائع راغب عن المبيع 125 لا محالة ، ومثل هذه الحالة تحصل للقلب في بعض الأحوال في غير العرفاء ، ولكن لا يتّفق زهوق الروح فيها ، فالوقوع في صف القتال سبب لزهوق الروح على مثل هذه الحال ، هذا فيمن ليس يقصد الغلبة والغنيمة والصيت بالشجاعة ، فإن من هذا حاله - وإن قتل في المعركة - فهو ليس بشهيد ، لبعده عن مثل هذه الرتبة ، كما دلت عليه الأخبار . فقد علم إن رتبة الشهداء 126 إنما يحصل لأجل إنهم جردوا أنفسهم عن التعلق بالحياة الجسماني ابتغاء لوجه اللّه ونصرة لأوليائه في نيّة اظهار شريعته وخرجوا عن الدنيا عند تكلف هذه الحالة ، ففازوا بالنعيم الأبدي . وأما العرفاء فقد خرجوا عن التعلقات بما سوى اللّه تعالى ، وقصّروا النظر على وجه اللّه ، من غير التفات إلى ذواتهم فضلا عن غيرها وحصل لهم الموت الإرادي عن هذه النشأة الدنياوية ، وهذه الحالة هجيّراهم من غير تعمّل وكلفة ، فهم الشهداء بالحقيقة قبل حصول الموت الطبيعي أو القتل لهم ، لأنهم قبل انقضاء هذه الحياة الدنياوية وانهدام بناء هذه الجثة الطبيعية - أحياء عند ربهم حيوة طيبة عقليّة ، يرزقون بالأرزاق المعنوية والأغذية العلميّة فرحين بما آتيهم اللّه من فضله فحينئذ يستقيم معنى الآية من غير تمحّل .